أحمد رضا منصور/ميادين
لأن الميكانيكي ميكانيكي، والسواق سواق، فلماذا لاعبين كرة القدم ليس بارعين في تحليل اللعبة؟
أثناء عودتي من مطروح إلي الإسماعيلية خطر ببالي ذلك التساؤل، فجميعنا نلمس تلك السطحية المفرطة من أستوديوهات التحليل المكللة بالنجوم، ولا أبالغ في قولي مفرطة، فكيف للاعب عاصر أحداث كروية صاخبة، بل كان جزء مهم من تلك الأحداث، بأن يظهر على الشاشة بهذا العجز الملفت في تفسير ما حدث في المباراة ؟!
فضيحة في إحدى أكبر إستوديوهات التحليل المصرية..
قبل أن أجيب على السؤال الذي بالأعلى، دعني أقص عليك تلك الكارثة، لدي صديق كان يعمل محلل في إحدى القنوات المصرية الفضائية الشهيرة، ويعمل في إستوديو يقوده إعلامي كبير بصحبة نخبة محترمة من أساطير ونجوم الكرة المصرية، جالسين بصفتهم محللين، وكان صديقي يحلل أيضاً، لكن هناك، خلف الكواليس، يشاهد ويحدق جيداً في المباراة، ثم يدون الملاحظات على ورقة، وتدخل الورقة للنجوم في الاستوديو يحفظون ما بها ويلقونه على العامة، بل كان البعض منهم لا يستطيع حفظ الكلام المغشوش، فكانوا يلقنونه في أذنه عبر السماعات، لتحدث جريمة سرقة شنيعة، بوضع بصمات المجني عليه على المسروقات، ربما ذلك كان مقابل بعض من المال، أو ربما باع مجهوده لينال فرصة ذات مرة، ضيقوا الخناق على الموهوبين حتى جعلوهم يسرقون أنفسهم بنفس راضية..
بعد تلك القصة ربما عزيزي القارئ أستحقرت هؤلاء، من تسببوا في تشويش وعي المشاهد بجهلهم المغلف بالجرأة فقط لأنهم من أرتدوا الفانلة والشورت، أما عن إجابتي الشخصية عن السؤال فهي تتمثل في جزئين..
الجزء الأول هو الدراسة، فكيف ستحلل النظام الدفاعي لفريق ما وأنت لا تعرف أنواع الأنظمة الدفاعية، ولا النقاط المرجعية لكل منها، فكيف ستحلل هيكل الفريق في الحالة الهجومية وأنت لا تعرف المبادئ الهجومية الأربعة، كيف ستحلل منظومة لعب مركزي وأنت لا تعرف مبادئها الأساسية والفرعية، كيف ستجيب إذا سألك أحدهم لماذا اللعب المركزي هو أم الأساليب ؟ .. بالتالي لابد على الأقل أن يمتلك المحلل الحد الأدنى من الأساسيات في اللعبة، إذا الدراسة مهمة، سواء في شركات تحليل أداء أو مقرات دولية لإتحادات الكرة..
الجزء الثاني هو اللغة والمفردات اللغوية، يقول فيتغنشتاين "حدود لغتي هي حدود عالمي" فكلما إمتلك المحلل مفردات ومعاني ومصطلحات لغوية عديدة، تمكن من شرح وتبسيط ما يريد بسهولة، وتصل الفكرة للمشاهد بتمعن، فالمحلل لابد أن يقرأ في الأدب وكتب علم النفس، حتى يتسع أفقه، ويحصد لغة قوية من جودة الكلمات الأدبية تساعده على مهنته، فكلما إزداد المحلل بلاغة كلما ازداد ثقل، ذلك الحديث أيضاً يشمل المصطلحات الكروية، فوصف بيرلو وماكللي لاعبين وسط أقل دقة من وصفهم بلاعبي ارتكاز، أقل دقة من وصف بيرلو رجيستا وماكللي ديستيروير، بالوصف الأخير شامل، لأنه وصف الخط والمركز وأيضاً الوظيفة ..
هنا أنتهت إجابتي، لنذهب لإجابة المحلل والمدرب الموريتاني الشاب محمدي العلوي عندما طرحت عليه تلك السؤال..
يقول العلوي اللاعبون ليس بارعون في التحليل لأنهم مارسوا اللعبة إنطلاقا من الحدس، يعرفون ماذا يفعلون دون الحاجة لتحليل قرارتهم لذلك يعتقدون دائماً بأن مايحدث في الملعب هي أحداث تلقائية ليست بحاجة لتحليل أو لايمكن تحليلها، اللاعبون الذين تميزوا في التحليل كانوا منتبهين أثناء مسيرتهم الكروية، لأنهم قرروا الإلتحاق بمهنة التدريب أثناء مسيرتهم الكروية، لذلك كانوا أكثر وعيا بما يمر عليهم، يمكنك أن تأخذ ميدو كمثال هنا، ويمكنك كذلك سماع معاناة أليغري من تساؤلات سيدورف المزعجة أثناء فترة الميلان..
إجابة العلوي كانت مختصرة بلغية دقيقة لأبعد الحدود، حقا ميدو محلل جيد ليس لأنه كان لاعب جيد، بل لأنه قرر أن يكون محلل منذ ما كان لاعباً، ولأنه أتجه للدراسة في جامعة كرة القدم في ويلز، وعبر سيدورف للصحافة بأن أليجري هو السبب في رحيله عن ميلان، حيث ارتبكت العلاقات بينهم بسبب التساؤل الملح منه على تكتيكات أليجري..
إذا ممارستهم للعبة نابعة عن فطرتهم، ولا يمكن تفسير القرارات النابعة من الغريزة والسجية بدقة، لذلك لا نندهش من عدم قدرة أبو تريكة في تفسير ما يحدث في المباراة بشكل أكثر عمق ودقة، رغم امتلاكه لرؤية كلاعب عظيمة..
أريجو ساكي لديه إجابة قاطعة وحادة أيضا قال ذات مرة بأن حياتك كرياضي ليست بالضرورة أن يكون لها شأن في التدريب أو التنظيم أو الإدارة، بل هو فكر وموهبة وفطرة لن تنالها ولو حتى لعبت 100 عام مع كل منتخبات العالم ..
وأكمل حديثه بأن لا يوجد شئ أسمه كنت لاعب للمنتخب أو النادي الفلاني حتى تلتصق بالرياضة وتخرب فيها، فالمدرب هو المايسترو الذي يرسم الإيقاع، يجب أن يسعى ليحصل على الجودة، لا على السطحية والسهولة، فأنا لا أذهب إلى الفرن من أجل الفران، بل من أجل الخبز..
إجابة ساكي كانت عظيمة لأبعد حد ممكن أن نتخليه، فإليك عزيزي القارئ كل تلك الأسباب، ربما لم تكن كل الأسباب لكنها على الأقل كافيه لتوضيح الصورة نوعاً ما، بما يجعلنا نقر بأن الميكانيكي ميكانيكي، والسواق سواق، اللاعب لاعب كرة فقط، إلى أن يقرر أن يصبح محلل أو مدرب، فعليه أن يسعى لذلك ولا يرتكز على سمعته كلاعب فقط..
أنتهى المقال عزيزي القارئ، شكراً لوصولك هنا..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق